أبو علي سينا

224

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

فإن سلوك الطرق الخاصة - أحوج إلى الهداية من سلوك الشوارع العامة - وهذه الطريقة مبنية على ثلاث مقدمات - أحدها أن الجسم لا يمكن أن يكون علة موجدة لشيء - إلا بعد صيرورته شخصا معينا - فإن الطبائع النوعية ما لم تكن أشخاصا معينة - لم توجد في الخارج - والثانية أن العلة لما كانت متقدمة بالذات على معلولها - كان وجود المعلول ووجوبه - متأخرين عن وجود العلة - فإن اعتبر المعلول مع وجود العلة - كان حاله حينئذ الإمكان لأنه لم يجب بعد - وكل ما لم يجب وكان من شأنه أن يجب فهو ممكن - والثالثة أن الشيئين اللذين يكونان معا - لا معية المصاحبة الاتفاقية - بل معية بحيث لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر - فإنهما لا يتخالفان في الوجوب والإمكان - لأن تخالفهما في ذلك يقتضي إمكان انفكاكهما - وتقرير الحجة بعد تقرير هذه المقدمات - بأن يقال لو كان الحاوي علة للمحوي لسبقه متشخصا - لما بيناه في المقدمة الأولى - وحينئذ كان وجود المحوي - إذا اعتبر مع وجود الحاوي المتشخص موصوفا بالإمكان - لما بيناه في المقدمة الثانية - ولكن عدم الخلإ في داخل الحاوي - أمر يقارن اعتباره اعتبار وجود المحوي - بحيث لا يمكن انفكاكه عنه -

--> وعندي أن هذه المقدمة مستدركة في البرهان إذ يكفى ان يقال : لو كان الحاوي علة للمحوى لتقدم بالوجوب عليه فقد وجب الحاوي ولم يجب وجود المحوى بعد لكن المحوى هو الذي يملأ مقعر الحاوي فإذا لم يجب وجود المحوى لم يجب ملاء مقعر الحاوي ، وإذا لم يجب ملاء مقعر الحاوي لم يجب عدم الخلاء بالضرورة وسيبين الشيخ لزوم الخلف بمجرد هذه المقدمات في جواب السؤال الأول من غير احتياج إلى تلك المقدمة . واما قوله هاهنا : وجود المحوى وعدم الخلاء معا . فالمراد بالمعية المعية في الوجوب وعدمه لا في الوجود والعدم كما تخيله الشارحون . فليس المراد الا ان وجود المحوى إذا لم يجب لم يجب عدم الخلاء ، وبينه بأن عدم الخلاء متى وجب وجود المحوى . فان وجوب عدم الخلاء إذا استلزم وجوب المحوى كان عدم وجوب المحوى مستلزما لعدم وجوب عدم الخلاء بحكم عكس النقيض . لا يقال : لو صحت الدلالة يلزم أن لا يكون للحاوى وجوب ووجود لأنه لو كان للحاوى وجوب ووجود فلا يخلو اما أن يكون معه وجوب المحوى أو امكانه وأيا ما كان يكون مع وجوب الحاوي